بنزرت، من الحبيب العربي..

تم إيقافي 4 أيام بسبب نجيب الخطاب وعبد الكريم صحابو
فاز بأكثر من عشر جوائز تونسية ومصرية وسورية ومغربية..
تفوّق على صابر الرباعي ولطفي بوشناق وعلياء بالعيد وعبد الوهاب الحناشي وماجده الرومي وايلي شويري..
ومع كل هذا، حرمه نجيب الخطّاب وعبد الكريم صحابو من الظهور في التلفزة..
ولم ينل شُهرة كالذين فازوا بمستوى دون جوائزه !؟.
مرت اليوم، 3 أفريل 2025، على وفاته، سنة وأربعة أشهر وعشرة ايام..
ومضت الأيام عادية رتيبة خالية من ذكر إسمه إلا في بعض صفحات الفايسبوك التابعة لبعض المقربين منه..
لا أحد تحدّث عنه كما يجب…
لا احد استعرض مسيرته الفنية وتوقّف عند اهم محطّاته فيها..
أكاد اقول أن الجميع قد نسوه وما عادوا يحنّون لصوته الشجي ذي الغُنّة العذبة التي نجح بها في أداء النغم التونسي الاصيل..
نتحدّث عن مطرب بنزرت الأول منذ ثمانينات القرن الماضي..
بنزرت بكل ما فيها من منظمات ثقافية وفنية وموسيقية تكاد لا تذكره، إلا نادرا.. من ذلك جمعية مهرجان ليالي المدينة ببنزرت التي خصّصت له قبل ثمانية أيام، يوم 26 مارس 2025، سهرة اختتام الدورة 12 لهذا العام تحت عنوان الوفاء لروحه، عن فكرة لزميلنا الحبيب للعربي ولأرملته السيدة ثريا..
أتحدث عن فنّان وهب حياته بطولها وعرضها للفن..
للأغنية التونسية على الخصوص، وتحديدا لنمط أغنية المرحوم علي الرياحي عامة..
هو انطلق في توجهه الفني منذ أن كان طفلا يلعب بحَومة “باب الرمل” ببنزرت، ووقته مقسّم بين المدرسة والمعهد الثانوي وبين محل والده الذي كان يعمل به تارزي..
كان سمّيعا لكل اغاني “تيساف” بيتهم (الراديو).. وخاصة منها اغاني صليحه وعلي الرياحي والهادي الجويني ومحمد الجموسي وغيرهم من فناني ستينات وسبعينات القرن الذي مضى..
أتحدث عن فيصل رجيبة، كَرَوان بنزرت وابنها المدلل في عالم الغناء لأكثر من أربعة عقود من الزمن..
وُلد فيصل يوم السبت 2 ماي 1964 بمدينة الجلاء، بنزرت..
واختطفته منّا يد المنون، بمشيئة الله وقدَره، يوم الخميس 23 نوفمبر 2023، بعد صراع طويل مع المرض..
بداية مسيرته مع الغناء كانت من يوم أن سمعه أحدهم “يزُن” بالصوت الخافت ويردّد اغنية تونسية فدعاه للإلتحاق بنادي خميّس ترنان بدار الثقافة الشيخ ادريس ببنزرت..
هناك، تعلم المالوف وأتقنه ثم بدأت رحلته مع الغناء بعد أن قام بتأطيره أناس أجلاّء فعلّموه كيف يؤدّي وكيف يعزف على آلة العود..
ومن هناك، من دار الثقافة ببنزرت، تحوّل إلى العاصمة.. وفيها اكتسب من المهارة والكفاءة في التعامل مع الأغنية التونسية ومع لحنها ما جعله يترك الدراسة ويدخل غمار الموسيقى والغناء فحصد الجوائز في تونس، في المغرب، في سوريا وفي مصر..
ونهاية الأمر، لم ينل حظه في الإنتشار في تونس وفي العالم العربي مثلما ناله من كان هو أفضل منهم في كل المسابقات التي نافسهم ونافسوه فيها..
حول معادلة إحرازه الجائزة تلو الأخرى في المسابقات في أعلى المستويات الوطنية والمتوسطية والعربية وبين عدم تمكنه من الإنتشار وفق احلامه التي كانت مشروعة، كنت قد تحدثت قبل أكثر من اربعة أعوام مع فيصل رجيبة وكان لي معه حوار الصراحة الذي أنشره اليوم بكل امانة وبمباركة من أرملته لتطّلعوا عليه وتدعون له بالرحمة من عند الله..
فيما يلي الحوار..

- أنت من جيل صابر الرباعي وعلياء بلعيد ولطفي بوشناق وذكرى محمد وغيرهم.. جيل ثمانينيات القرن الماضي، لكنك لم تنل حظك من الانتشار بالقدر الذي كنت تحلم به وبالقدر الذي وصل إليه من تربوا معك على النغمين التونسي والشرقي.. حتى أننا نكاد نجزم اليوم أن الذين يعرفونك من أبناء وطننا هم في نسبتهم قليلون.. فكيف حدث لك هذا ؟..
- أحدثك أولا عن بداياتي..
أنا فيصل رجيبة، أستاذ موسيقى ومطرب محترف منذ سنة 1989..
بدايتي كانت مع نادي خميّس ترنان للمالوف ببنزرت سنة 1980..
ثم شاركت في نادي المواهب بتونس سنة 1983 مع صابر الرباعي وعلياء بلعيد وفيصل الرياحي ومنيرة حمدي وغيرهم حيث فزت بالجائزة الأولى للنادي في ذات العام بأغنية “يا شاغله بالي” للمرحوم علي الرياحي..
سنتها، الجائزة الثانية كانت من نصيب صابر الرباعي والجائزة الثالثة آلت لعلياء بلعيد.. - البداية كانت موفقة إذن؟
- وهو كذلك، وأذكر أنني فزت سنة 1981 بالجائزة الأولى في مهرجان البحر المتوسط للأغنية بأغنية “أنا كي الطير في وكري نغني” لعلي الرياحي أيضا، وقد حلّ بعدي وفاز بالجائزة الثانية الفنان اللبناني “إيلي شويري” صاحب الأغنية المعروفة “يا ناس حبّوا الناس”، وبالجائزة الثالثة، فازت الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي.. في حين فاز عبد الوهاب الحناشي بالجائزة الرابعة..
- وماذا عن دراستك الموسيقية؟..
- أنا درست بمدرسة الموسيقى الكائنة بنهج سيدي صابر بتونس العاصمة وتحصلت منها على ديبلوم الموسيقى العربية سنة 1988..
- وأين فيصل رجيبة من مهرجان الأغنية التونسية؟..
- في الدورة الاولى للمهرجان، سنة 1987، أنا فزت بالجائزة الأولى في الأداء بأغنية “يا لِيعتي” لعلي الرياحي.. وفي دورة 1989، فزت كذلك بالجائزة الأولى في الإنتاج التونسي حيث شاركت بأغنية “مكتوب يا عين” من تلحين أستاذي إبراهيم الطرابلسي..
كما فزت في نفس الدورة بالجائزة الثانية في الأداء حين شاركت بأغنية علي الرياحي “يا بوسعيد العالي”..
في هذه الدورة لسنة 89، فاز بالجائزة الثانية في الإنتاج الخاص والإنتاج الحر وفي الأداء الثلاثي لطفي بوشناق وصوفية صادق ومحمد الجبالي..
وفي دورة 1993، كانت الجائزة الأولى من نصيبي وهي في الإنتاج الخاص بعد أدائي لأغنية “ممحون يا ناس” من كلمات الهادي علي والحان الشاذلي أنور..
في 2002، فزت بالجائزة الأولى في الطبوع التونسية بأغنية “ريّح بالي”، في إنتاج خاص بالدورة، وهي أغنية من تلحين الدكتور زهيّر بالهاني..
أما سنة 2004، فقد شهدت فوزي بالجائزة الأولى في الإنتاج التونسي بأغنية “يا خاينة” من تلحين د. بالهاني أيضا.. - ألَم تشارك في مهرجانات عربية معروفة؟
- فعلا، شاركت في مهرجان المغرب العربي بمدينة مراكش المغربية للأغنية العربية حيث فزت بالجائزة الثانية وقد كان ذلك سنة 1998..
وقبلها بعام، أنا فزت بالجائزة الأولى في مهرجان اللاذقية بسوريا سنة 1997..
وبعدها، في 2001، تحصلت على الجائزة الاولى في مهرجان المغرب العربي الكبير.. - كل هذه التتويجات، ما شاء الله، ولم تحقق الانتشار العربي على غرار البعض ممن فازوا بجوائز دون مستوى جوائزك؟
- ثلاثة اسباب حالت دوني والانتشار الذي يحلم به كل مطرب عربي،
السبب الأول يكمن في قلة إمكانياتي المالية حيث أنني، مثلا، لم استطع دفع مبلغ 15 ألف دينار للملحن المصري الكبير صلاح الشرنوبي حين عرض عليّ لحنين جميلين، سنة 99 عندما قصدت مصر في رحلة سياحية على حسابي لمدة أسبوعين..
والسبب الثاني يكمن في أنني لم اقبل لعبة الحطّ من كرامتي والدخول في متاهة أجواء المعاملات والمحسوبية في المجال الفني..
أنا فنان كنت دائما أريد أن أتعامل مع الفن بكرامة فلا اقبل أبدا أن تداس كرامتي لقاء نجاحي فنيا..
وأما السبب الثالث فيكمن في خلافي مع المنشّط التلفزي المرحوم نجيب الخطاب ومع الملحن عبد الكريم صحابو، مستشاره الموسيقي في برنامج “لو سمحتم”..
كان ذلك في سنة 1989 بعد ان فزت بالجائزة الأولى في مهرجان الأغنية التونسية.. - وكيف حدث لك هذا الخلاف مع الخطّاب وصحابو؟..
- بعد ان كنت الفائز الأول بجائزة الأغنية التونسية، دعاني المرحوم نجيب الخطّاب لبرنامجه “لو سمحتم” في الوطنية الاولى قبل يوم واحد من موعده، كما دعا لطفي بوشناق وصوفية صادق لنفس الحصة..
وحين حضوري بالأستوديو فوجئت بالملحن صحابو، المستشار الموسيقي للبرنامج يطلب مني المغادرة بعد أن عوضني بالفنانة سوسن الحمامي..
غضبت وحنقت عليه وعلى نجيب الخطاب، فما كان منهما إلا أن دعيا لي الأمن الذي أوقفني أربعة أيام كاملة بمركز نهج كولونيا.. حتى تدخّل لإخراجي الموسيقار المرحوم عبد الحميد بن علجية والفنان صلاح مصباح..
وبعد عودتي إلى بنزرت بيومين، فوجئت بوالدي قد توفي، وهو الذي كان سندي في مسيرتي الفنية.. فتوقفت عن الغناء لفترة ست سنوات كاملة علمت خلالها انني كنت ممنوعا من المرور بالتلفزة كما بالإذاعة..

- ومتى كانت عودتك للفن والطرب والغناء إذن؟
- كانت في سنة 1995 بمناسبة الذكرى 25 لوفاة الراحل علي الرياحي حيث دعاني من تسبب لي في الإقصاء لمدة ستة أعوام، نجيب الخطاب هو نفسه الذي دعاني للمشاركة في حصة خاصة بعلي الرياحي..
في البداية تردّدت، ولكنني في الاخير شاركت وتركت أجمل الانطباعات.. - وماذا كانت تبعات فوزك بالجوائز في دورات عديدة من مهرجان الأغنية التونسية؟
- في كل سنة أفوز بالجائزة الأولى، كانوا يعدونني بألحان جديدة وبالمشاركة في جولة داخل الجمهورية التونسية وخارجها مع الفرقة القومية للموسيقى التي كان يديرها الملحن عبد الرحمان العيادي، وفي كل مرة لا يتحقق لي شيء من ذلك..
- ولماذا يحدث هذا معك؟
- لأن للسيد عبد الرحمان العيادي مطربيه المفضلين الذين يريد أن يساعدهم على الإنتشار سريعا مثل المرحومة ذكرى محمد وصوفية صادق وشكري بوزيان وعبد الوهاب الحناشي وحسن الدهماني ومنيرة حمدي وغيرهم..
هو يفضلهم كذلك لأنهم لا يطالبون بحقوقهم المالية كاملة مثلي. - من باب الفضول أسألك، كم كانت القيمة المالية لأعلى جائزة تحصلت عليها؟
- 6000 د. تونسي وقد كان ذلك في سنة 2006..
- أيضا، كم كانت القيمة المالية لأقل جائزة تحصلت عليها؟
- 300 د. في سنة 1987 بالتحديد..
- نراك تعمل في حفلات الزفاف وفي النزل والمطاعم، فكم هو أعلى أجر تحصلت عليه؟..
- 600 د..
- وأقل أجر ؟..
- 150 د.
- وهل يتنوع مستوى أدائك حسب مقدار الأجر؟..
- أبدا، فانا حين اغني أتفاعل بكل جوارحي وأحاسيسي مع كل ما أؤدّيه من غناء، ولذلك أنا اكسب رضاء كل من يحضر حفلاتي سواء كان عددهم ضئيلا أم كبيرا وسواء كان الأجر مرتفعا أو قليلا..
- ومتى يتخمّر فيصل رجيبة في الغناء؟..
- عندما أجد أمامي جمهورا سمّيعا وذواقا على الخصوص..
- لمن تغني من المطربين في حفلاتك؟..
- أنا مختص في الأغنية التونسية وفي المالوف وأغاني علي الرياحي، كما اغني للهادي الجويني ولصليحة إلى جانب محمد عبد الوهاب ومحمد عبد المطلب، تماما كما لأم كلثوم وكارم محمود..
- ألم تغن في مصر في أية مناسبة؟..
- بلى، أنا غنيتُ في اوبيرا قصر النيل في سنوات 1999، 2001 و2003 حين كانت تدعوني الفنانة حفيظة الحفني، مديرة القصر، وقد تركت أجمل الانطباعات في كل مرة..
- من ساعد فيصل رجيبة في مسيرته الفنية؟..
- هو خاصة الأستاذ الذي تتلمذت على يديه إبراهيم الطرابلسي، ثم خليل حفحوف والمطرب الكبير الذي درسني علم الصوت الفنان الهادي المقراني..
- أراك قد نسيت واحدا من بنزرت له فضل كبير عليك..
- أجل، انه بابا عبد الدائم بن صالحة الذي علمني العزف على العود ولقنني أصول الموسيقى إلى جانب كونه عمل مرافقا لي حين كنت صغيرا في كل تنقلاتي وترحالي..
- وآخر ما يقوله فيصل رجيبه؟..
- سامح الله كل من عمل على عرقلتي في مسيرتي الفنية.
جالسه : الحبيب العربي


